المقريزي

19

المقفى الكبير

ولمّا توجّه عمرو بن العاص بالجنود إلى مصر ، بلغ ذلك المقوقس ، فسار من الإسكندريّة إلى مصر وجهّز الجيوش لقتاله . فما زال عمرو يهزمهم حتّى نزل على الحصن وقد تحصّن به المقوقس وخندق حوله ، وجعل للخندق أبوابا وبثّ في أفنيته حسك الحديد . فلمّا اشتدّ الحصار تنحّى المقوقس ومعه أكابر القبط وخرجوا من باب الحصن القبليّ ، ودونهم جماعة يقاتلون المسلمين ، حتى لحقوا بجزيرة الفسطاط وقطع الجسر وذلك في جري النيل وترك المندقور « 1 » على الحصن ، فلم يزل يقاتل المسلمين إلى أن غلب وصار إلى المقوقس بالجزيرة . فأرسل المقوقس إلى عمرو : إنّكم قوم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا وطال مقامكم في أرضنا . وإنّما أنتم عصبة يسيرة ، وقد أظلّكم الروم وجهّزوا إليكم ، ومعهم العدّة والسلاح . وقد أحاط بكم هذا النيل وإنّما أنتم أسارى في أيدينا . فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم ، فلعلّه أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبّون ونحبّ وينقطع عنّا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه . ولعلّكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم ورجائكم . فابعث إلينا رجالا من أصحابكم نعاملهم على ما نرضى نحن وهم به من شيء . فلم يجبه عمرو . ثمّ بعث إليه عبادة بن الصامت فتحاورا طويلا . ورجع عبادة وقد أبى القبط على المقوقس أن يجيبوه إلى [ 369 ب ] أداء الجزية ، وقطعوا الجسر . فقاتلهم المسلمون وقتلوا وأسروا من كان بالقصر من جموع الروم والقبط . فقال لهم المقوقس : ألم أعلمكم هذا ، وأخافه عليكم . ما تنتظرون ؟ فو اللّه لتجيبنّهم إلى ما أرادوا طوعا ، أو لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم منه كرها . فأطيعوني من قبل أن تندموا ! فأذعنوا إلى قوله ورضوا بإعطاء الجزية . فبعث المقوقس إلى عمرو يعلمه أنّه لم يزل حريصا [ 296 ب ] على الإجابة إلى ما أراد ، لكنّ القوم أبوا عليّ ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم ، وقد عرفوا نصحي . فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت ، [ أنا ] في نفر من أصحابي وأنت في نفر من أصحابك . فاجتمعا على عهد بينهما واصطلحا على أن يكون على كلّ ذكر بلغ الحلم من القبط ديناران دون الروم ، فإنّهم يخيّرون بين الإقامة بمصر على هذا أو الخروج منها . وكتب إلى ملك الروم يعلمه الخبر . فكتب إليه يقبّح رأيه ويؤكّد عليه في القتال . فقال المقوقس لمّا ورد عليه الكتاب : واللّه إنّ العرب على قلّتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منّا على كثرتنا وقوّتنا . إنّ الواحد منهم ليعدل مائة منّا ، فإنّهم قوم الموت أحبّ إليهم من الحياة ، يقاتل أحدهم وهو يتمنّى أن لا يرجع إلى أهله وولده ، ويرون أنّ لهم أجرا عظيما فيمن قتلوا منّا ، ويقولون إن قتلوا : دخلوا الجنّة . وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذّتها . ونحن نكره الموت ونحبّ الحياة ولذّتها . فكيف نستقيم نحن وهؤلاء ، وكيف صبرنا معهم ؟ واعلموا معشر الروم أنّي لا أخرج ممّا دخلت فيه . وحذّرهم وأنّبهم وأعلم عمرو بن العاص بذلك كلّه ، وأنّه والقبط ثابتون على ما عاهدوا عليه . فألزمه عمرو أن يقدم بالإنزال والضيافة ، وينصب الأسواق والجسور ما بين الفسطاط والإسكندريّة ، ففعل ذلك . وصارت القبط أعوانا للمسلمين .

--> ( 1 ) عند الكندي 8 : المندقور الذي يقال له الأعرج . وفي الخطط 1 / 290 : رجل من الروم يقال له الأعيرج . ، وكذلك ياقوت ( الفسطاط ) .